العيد كما نعيشه اليوم: هل المحتوى زاد اللهفة والحنين؟

3 دقائق للقراءة

مجرد جملة في شريط الأخبار.. لحظة يبدأ فيها الإحساس

تخيّل العيد بلا إعلان… ليلة عادية تمرّ كغيرها، بلا إشعار، بلا صوت، بلا محتوى يخبرك أن الفرح سيبدأ، لكن العيد لم يكن يومًا صامتًا.

منذ قرون، كانت له طريقته في صناعة اللحظة، وكان لكل عصر محتواه الذي يعلن البداية ويوقظ الإحساس ويجمع القلوب في توقيت واحد.

 

"ثبتت رؤية الهلال، وغدًا غُرّة شهر شوال."

محتوى قصير مؤثّر جدًا في المشاعر، كفيل بأن يغيّر الجو 180 درجة.

بمجرد رؤيته أو سماعه تتحرّك الشوارع، تنشغل البيوت، وتبدأ سباقات التفاصيل الأخيرة؛ تجهيزات سريعة، وترتيبات تُستكمل في اللحظة الأخيرة، تفاصيل بسيطة تتكرر كل عام، لكنها تحمل دائمًا ذات الحماس واللّذة.

 

بشارة العيد كانت تُسمع لا تُرى

قبل أن يظهر هذا المحتوى في شريط الأخبار، كان يُسمع لا يُرى، ففي عام 1282هـ (1865م)، عُرف استخدام مدفع رمضان من أعلى الجبل في الرياض خلال حكم الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله، وكان صوته يعلن دخول العيد، وما يُسمع لم يكن مجرد دويّ، بل ابتداء فرحة توحّد الإحساس في لحظة واحدة.

ثم انتقلت اللحظة من الجبل إلى الشاشة، ففي عام 1405هـ (1985م) عُرض الإعلان عن رؤية هلال شهر شوال عبر القناة الأولى في التلفزيون السعودي في أقدم ما وثّقته المصادر، بتقديم منصور الخضيري، فأصبح إعلان العيد محتوى يُشاهَد داخل كل بيت.

 

ومع هذا التحوّل، بدأ التعلّق بانتظار المحتوى الإعلاني للعيد على التلفزيون السعودي، ولم يكن مجرد خبر يُستقبل، بل لحظة تُنتظر ويُعاد تداولها، وأصبح بوابة الشعور الأولى.

 

وين صرنا نسمع العيد؟

اليوم لم تعد القنوات فقط تلفزيونية، هناك قنوات شخصية، وحسابات فردية، ومنصات اجتماعية تبث المحتوى في اللحظة ذاتها، لم يعد العيد يُعلن من جهة واحدة، بل من آلاف الشاشات في وقت واحد، كل حساب أصبح قناة، وكل شخص قادر على مشاركة محتوى العيد.

محتوى العيد أصبح جزء رسميًا مهمًا في كثير من الحسابات، وفي مقدمتها الحساب الرسمي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، والجهات الرسمية، والوزارات، وحتى كبار المسؤولين، يتعاملون مع محتوى العيد بوصفه جزءًا رسميًا ومؤثرًا في حساباتهم، تهنئة رقمية، تصميم خاص، فيديو معايدة؛ كلها رسائل مدروسة تعكس حضورًا وتواصلاً مباشرًا مع المجتمع، لم يعد محتوى احتفالي فقط، بل أصبح جزءًا من الخطاب الرسمي.

 

كيف نشارك شعورنا قبل أن نعيشه؟

عندما تتحول اللحظة إلى محتوى، مع بدء التكبيرات تبدأ التهاني عن طريق الهواتف؛ مكالمات فيديو، الصور، معايدات تنتقل بثوانٍ، ومقاطع من صلاة العيد تُنشر فورًا، يمكنك أن تكون في مدينة، وتشاهد أهلك في مدينة أخرى كأنك بينهم، تشاركهم اللحظة بالصوت والصورة، وتضحك معهم، من هذه الزاوية، أصبح الحرف والكلمة جسرًا حقيقيًا؛ قرّب البعيد، ومنح من لا يستطيع الحضور فرصة أن يعيش الأجواء كاملة.

 

نعايد مرتين..

مرة عبر رسالة، ومرة في اللقاء، ومرة حين يتحول اللقاء نفسه إلى محتوى يُعاد استحضاره. لم تعد اللحظة تنتهي بانتهاء الزيارة، بل تستمر في التداول والحفظ والاسترجاع في أي وقت، وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بالعيد الرقمي؛ حيث يصنع المحتوى ذاكرة تمتد لما بعد اليوم نفسه، فالصور تُحفَظ، والمقاطع تُعاد، والذكريات تعود كل عام بإشعار جديد تحت مسمى "من الذكريات"، فيعيد إلينا الشعور ذاته.

ومن مدفع يُسمع صداه في المدينة، إلى إعلان تلفزيوني، وصولًا إلى محتوى لحظي يصل إلى كل فرد في جيبه؛ تغيّرت الوسائل، وبقيت اللهفة ذاتها، فالمحتوى لم يخلق الحنين من العدم، لكنه وسّع الدائرة وأطال عمر اللحظة، وجعلنا نعيش غُرّة شهر شوال أكثر من مرة؛ مرة في الواقع… ومرة حين يعود إلينا عبر المحتوى.

 

(المصدر: سعوديبيديامدفع رمضان في السعودية)

شارك المقال

مقالات ذات صلة